أحمد بن محمد مسكويه الرازي

112

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

الجبال ، واما ببناء الصوامع في المفاوز ، « 1 » واما بالسياحة في البلدان ، لا يحصل لهم شيء من الفضائل الانسانية التي عددناها ، وذلك ان من لم يخالط الناس ولم يساكنهم في المدن لا تظهر فيه العفة ولا الجدة ولا العدالة ، بل تصير قواه وملكاته التي ركبت فيه باطلة ، لأنها لا تتوجه لا إلى خير ولا إلى شر ، فإذا بطلت ولم تظهر أفعالها الخاصة بها صاروا بمنزلة الجمادات والموتى من الناس . « 2 » لذلك يظنون ويظن بهم أنهم أعفاء وليسوا بأعفاء ، وأنهم عدول وليسوا بعدول ، وكذلك في سائر الفضائل ، أعني انه إذا لم يظهر منهم اضداد هذه التي هي شرور ظن بهم الناس أفاضل . وليست الفضائل اعداما بل هي أفعال وأعمال تظهر عند مشاركة الناس ومساكنتهم وفي المعاملات وضروب الاجتماعات ونحن انما نعلم ونتعلم الفضائل الانسانية التي نساكن بها الناس ونخالطهم ونصبر على أذاهم ، لنصل منها وبها إلى حال أخرى ، وتلك الحال غير موجودة لنا الآن .

--> ( 1 ) . المفازة ، جمع مفازات ومفاوز ، المفلحة والنجاة . أو بمعنى : المهلكة ، الفلاة لا ماء فيها ، قيل إن ذلك مأخوذ من فوّز أي مات ، لانّ المفازة مظنة للموت لخلوها من الماء ، وقيل سمّيت مفازة لأن من خرج منها وخططها فاز . ( 2 ) . كما يقول الإمام علي عليه السّلام : يعرف الحليم عند الغضب . ويقول الشاعر إليا أبو ماضي : قيل : أدرى الناس بالأسرار سكان الصوامع * قلت : إن صحّ الذي قالوا فإنّ السرّ شائع عجبا كيف ترى الشمس عيون في براقع * والتي لم تتبرقع لا تراها ؟ لست أدري * أيها الهارب إنّ العار في هذا الفرار لا صلاح في الذي تصنع حتى للقفار * أنت جان أيّ جان قاتل في غير ثار أفيرضى اللّه عن هذا ويعفو ؟ * لست أدري